واعظ أنطاكية ثم رئيس أساقفة القسطنطينية، رقد في المنفى سنة 407 وهو يقول «المجد لله على كل شيء». القداس الذي نحتفل به كل أحد يحمل اسمه، ونعيّد له في 13 تشرين الثاني.
يوصي الرب مرسليه: مجاناً أخذتم، مجاناً أعطوا. وكان قزما ودميانوس يعدّان مهارتهما عطية تسلّماها، فساروا بهذا إلى آخره. وما نعرف أن نصنعه ليس كله منا، ولهذا ينبغي أن يبقى منه نصيب خارج الحساب.
كلمة المسيح تصل إلينا على أيدي مرسلين، وهو يقول إن من يسمعهم يسمعه. وإبيماخوس تقدم من نفسه، والسبعون لم يتركوا لنا غير أسماء، لكن ما حملوه وصل إلينا. فهذه الآية تسأل أولاً عن سماعنا: كيف نستقبل من يعلّمنا الإيمان؟
ينسب المسيح إلى نفسه لفظة القيامة، ويضيف أن من يؤمن به يحيا وإن مات. وقد عاش الأخوان كمن لا يخاف الموت، لأن حياة لا تنتهي تغيّر وجه التصرف بالمال. والإيمان بهذا يخفّف مقدماً كل ما نخشى خسارته.
يوعد الرب من ترك بيتاً وأهلاً بأن ينال أكثر بكثير، وأنستاسيا نالت ذلك قبل موتها في أخوات ربّينها. والرعية مدعوة أن تكون هذا البيت، للأرامل والطلاب والقادمين الجدد. ودعوة أحد إلى مائدتنا بعد القداس الإلهي طريقة لتحقيق هذا الوعد.
يقول المسيح إن ما يُصنع بأصغر واحد يُصنع به هو، فليست هناك محبة بلا وجه. وباراسكيفي حملت اسم الجمعة وعاشت عند الذين لا ينظر إليهم أحد. في هذا الأسبوع نأخذ وقتاً لزيارة، لا لعطاء يُرسل من بعيد فقط.
من أراد أن يخلّص نفسه يهلكها: ونستور لم يحسب أمنه، بل أوقف مشهد قتل. وكان شاباً، وقد أعطاه رجل أكبر منه ما يثبت به. وفي بيوتنا، ما نقوله للشباب عن إيماننا سينفعهم في يوم لا نكون فيه معهم.
ينبّه الرب تلاميذه إلى أن العبد لا يُعامل أحسن من سيده. وكان ديميتريوس رجلاً ذا مكانة في مدينته، فلم تحمه مكانته. وحين يجلب لنا إيماننا سخرية في العمل أو في المدرسة، فلسنا في أمر شاذ، بل في موضعنا وراءه.
يوعد الرب بأن الروح يعلّمنا ما نقول في ساعة السؤال، ولا يعد بأن يعفينا من السؤال. ولم يحتج مركيانوس ومرتيريوس إلى أكثر من كلمة واحدة: تبقى هذه الوثيقة كما هي. وثمة ساعات يكون فيها إيمان الإنسان كله في رفضه تعديل جملة واحدة.
الحبة التي تقع في الأرض وتموت تأتي بثمر، والكنيسة التي تُمحى في موضع تعود في موضع آخر. ونحن في بروكسل أبناء جماعات مشرقية خسرت كثيراً. وحفظ اللغة والألحان وذكرى آبائنا ليس حنيناً إلى الماضي، بل حبّ يُزرع لأولادنا.
يشبّه المسيح العامل بكلامه برجل بنى على الصخر. ويعقوب أعاد الأمر نفسه حياته كلها، في قراراته كما في رسالته. والبيت المبني على الصخر لا يتميز إلا يوم المطر، وهو يُبنى في الطاعات الصغيرة في أيام الأسبوع.
الراعي الصالح لا يحرس القطيع من بعيد، بل يمشي. وأسقف من القرن الثاني قطع المشرق ليزور جماعات متفرقة، كما أن جماعتنا متفرقة في بروكسل. والاتصال بمن لم نره في الكنيسة منذ أشهر طريقة عملية لنسير سيره.
المشورة التي قيلت للشاب الغني لم تُخفّف لهيلاريون: ترك أولاً ما يملك، ثم وجد بعد ذلك ما يصنع بحياته. وقليلون منا يبيعون كل شيء، لكن كل واحد يستطيع أن يسمّي شيئاً يتعلق به، وتسميته بداية التخلي عنه.
سؤال الإنجيل بسيط: ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه. وكان لأرتاميوس ما يخسره، ولهذا كان لرفضه وزن. ولنا أيضاً منصب وسمعة وراحة، فهل نعرف مقدماً ما لن نبيعه؟
الروح ليس وقفاً على الكهنة ولا على العلماء، بل هو موعود لكل بشر، فللأطفال وللشيوخ في جماعتنا أيضاً. ومن يؤمن يحمل في داخله ينبوعاً، والينبوع يُعرف بما يسقيه حوله. فمن انتفع بإيماننا في الأيام الأخيرة؟
خدم لوقا عمل غيره، وكتب بعناية ما رآه آخرون. الحصاد كثير والفعلة قليلون. وفي رعيتنا أيضاً تنتظر التعليم المسيحي والجوقة وزيارة المرضى أحداً، وهذا الأحد قد نكون نحن.
في وسعنا أن نتمم كل ما يُرى ونخسر ما له القيمة. والمسيح استعاد كلمة هوشع هذه ليدافع عن الذين حُسبوا غير مستحقين لمائدته. ومقياس ديانتنا الحقيقي يظهر في طريقة معاملتنا لمن أبعدته العائلة.
الذي اعترف أولاً بلاهوت المسيح لم يكن قد رآه قائماً، بل رآه يموت. والإيمان قد يولد في أسوأ لحظة، لا حين يتضح كل شيء فقط. فإن كان أحد أقربائنا في حزن، فلنزره دون أن نبحث عن كلام يفسّر.
خدمة المسيح، كما يقول الإنجيل، هي أن نتبعه حيث هو. ولوكيانوس تبعه أولاً في عمل صبور على نص، ثم في السجن. وخدمة الكنيسة تمر أيضاً في أعمال لا بهاء لها: فلنعطِ هذا الأسبوع ساعتين لعمل لا يتحدث عنه أحد.
طلب الملكوت أولاً لا يعني احتقار ما يلزم، بل وضعه في موضعه. وباراسكيفي تصرّفت بميراثها مرة واحدة، فنظّم ذلك بقية حياتها كلها. فلننظر في مصروف هذا الشهر ولنحدد مقداراً للعطاء سلفاً، قبل أن لا يبقى شيء.
يدعو المسيح إلى حمل نيره لأنه هيّن وحمله خفيف. وقد أجاب كربوس وبابيلوس دون أن يرفعا صوتاً ودون أن يتنازلا عن كلمة، فكانت وداعتهما أثبت من غضب قضاتهما. وفي أول نقاش يحتدّ في البيت، لا يُقال الحق إلا بعد أن ينخفض الصوت.
يعد المسيح بأن يعترف أمام ملائكة الله بمن اعترف به أمام الناس. وهؤلاء الثلاثة لم يُجرَّبوا مرة بل ثلاثاً، والجواب الثالث كلّفهم أكثر من الأول. والأمانة تظهر في التكرار، في التزام سبق أن قطعناه وقد صار متعباً.
الأمر بالتبشير لكل الخليقة يبدأ بإنسان واحد نلقاه في الطريق. وفيلبس سمع أولاً ما كان الآخر يقرأه، ثم تكلم. وإذا سألنا زميل عن الإيمان، فجملة صادقة أثقل من خطاب، فهل عندنا هذه الجملة؟
القديسان أفلامبيوس وأفلامبيا، شهيدا نيقوميذية
بِصَبْرِكُمُ ٱقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ.
لوقا 21: 19
يقول المسيح إننا بالصبر نقتني نفوسنا. وقد اختارت أخت أن تدخل في تجربة أخيها بدل أن تنتظره عند الخروج. وفي عائلاتنا أحد يجتاز الآن أمراً صعباً: فلنذهب إليه في أثناء التجربة، لا بعدها فقط.
قال المسيح لمتى الجالس عند مكان الجباية كلمة واحدة: اتبعني. وأجاب يعقوب بالمثل، وحياته كلها في هذه الطاعة الصامتة. وقد ننتظر علامة واضحة: فلنبدأ بالأحرى بالعمل الذي نؤجّله منذ أسابيع.
يقول الإنجيل إنه غُفر لها كثير لأنها أحبت كثيراً. والمغفرة تُقاس بصدق الرجوع، وحياة كاملة قد تتحول بقرار يوم واحد. والاعتراف متاح قبل كل قداس إلهي، والعائق في العادة هو التأجيل.
يسمّي المسيح تلاميذه أحباء لأنه أعلمهم بكل شيء. وصداقة الضابطين أقامتهما معاً إلى النهاية. وفي حياة كل واحد صديق أهمله، ومكالمة لا تطلب شيئاً تكفي لتُفتح الباب من جديد.
لا يلوم المسيح توما لأنه أراد أن يرى، بل يبارك الذين يؤمنون ولم يروا. وإيماننا لا يقوم على أدلة حصّلناها، بل على شهادة قبلناها وسلّمناها. فلنحدّث طفلاً في العائلة كيف وصل إلينا الإيمان، وعلى يد من.
يميز المسيح بين ما يصيب الجسد وما يصيب النفس. وقد عرفت خادمة لا حماية لها أن تميز ذلك أفضل من قضاتها. ومخاوفنا تتعلق في الأكثر بما يصيب الجسد وحده، وهي كثيراً ما تنحلّ حين تُقال بصوت عالٍ، للكاهن أو في صلاة المساء.
يسمّي الإنجيل التلاميذ نور العالم، أي نوراً للذين في الخارج. وإيروثيوس لا تكاد له سيرة، ومع ذلك تَدين له كنيسة كاملة ببدايتها. وكثير من الخدمات في رعيتنا لا تترك اسماً: فلنقبل أن نؤدي واحدة منها دون أن يعلم أحد.
سأل نثنائيل أيمكن أن يأتي من الناصرة شيء صالح، فكان الجواب: تعال وانظر. وديونيسيوس لم يجادل في الكرازة من بعيد، بل اقترب. فإذا بدت لنا كلمة من الإنجيل غريبة، فلنقرأ الفصل كله قبل أن نحكم.
من كان يطلب القدرة في الظلمة انتهى إلى اتباع النور. ونحن كثيراً ما نظن أن الحياة تتغير بجهد كبير، وهي تتغير بتغيير الاتجاه. فلنسمِّ هذا الأسبوع عادة واحدة تمسكنا في الظل، ولنتركها قبل الأحد.
ما نحسبه عجزنا هو غالباً الموضع الذي يعمل فيه الله. ورومانوس لم يُعطَ صوتاً آخر، بل أُعطي ما يقوله. وفي الرعية أيضاً، قلّما يكون موضع الإنسان حيث يظن نفسه قوياً.
ثلاث عشرة سنة في جب، ولا جملة حقد عند الخروج. وليس هذا لامبالاة، بل حرية لم تظفر بها المرارة. ومن يخرج هكذا من التجربة يصير قادراً على شفاء البلد الذي جرحه.
أيامنا مملوءة بأمور ضرورية، وهذا بعينه ما يُنهكنا. والحاجة إلى واحد فقط، وهي لا تأخذ حيزاً كبيراً: أن نجلس ونُصغي. وكل ما نضيفه قبلها يُتعبنا ولا يُشبعنا.
لم يمحُ مكان مصيبته، بل سكنه على نحو آخر. كثير من جراحنا تبقى مغاور مغلقة. والشفاء المسيحي ليس دائماً أن نرحل، بل أحياناً أن نحوّل المكان نفسه الذي أُوذينا فيه.
قلّما نُقنع بالحجج من يروننا كل يوم. إنهم ينظرون كيف نثبت حين يشتد الأمر، وكيف نتكلم عمن أساء إلينا. وشهادتنا لا تبدأ حين نشرح الإيمان، بل قبل ذلك بكثير.
نحن نطلب دائماً تعليماً جديداً، وأقدمُ تعليم لم يُعمل به بعد. وشيخوخة يوحنا تنزع عنا هذا الوهم: الإيمان لا يُقاس بما نُحسن قوله، بل بما نصنعه بالأمر الوحيد الذي نعرفه أصلاً.
كثير من تديّننا يبحث عن شهود. أما إفروسينية فصنعت العكس، إذ أخفت حتى ما كان يجعلها موضع إعجاب. وما نصنعه في الخفاء هو غالباً الجزء الوحيد من حياتنا الذي لا يستطيع أحد أن يفسده.
الإصغاء الحقيقي يغير حياة، والإصغاء الشارد لا يغير شيئاً. نحن نسمع الإنجيل كل أحد ونخرج كما دخلنا في الغالب. والفرق ليس في العظة، بل في قلب يحفظ الكلمة بدل أن يدعها تمر.
كثيراً ما يجيب الله بعد الصلاة بزمن طويل، حين نكون قد كففنا عن عدّ السنين. وصمت زكريا لم يكن عقاباً عقيماً، بل علّمه أن يسمع قبل أن يتكلم. وأطول انتظاراتنا قد تكون أكثرها إعداداً عند الله.
محبة الأعداء ليست جملة تُقال، بل باب يُفتح، وخبز يُقسَم، وضيافة لا تسأل أولاً من أنت. فوقا لم يهرب ولم يكذب. وأعداؤنا نادراً ما يكونون جنوداً، بل هم في الغالب جيران وأقارب وناس من الرعية نفسها.
لا يُرفع الصليب ليتسلط على أحد، بل ليجذب الجميع. وكلما جعلناه علامة قوة ضد غيرنا قلبناه رأساً على عقب. وهو يبقى قائماً حين يجعلنا أكثر وداعة وصبراً وقدرة على حمل أثقال الآخرين.
حمل الصليب ليس بحثاً عن الألم، بل رفضاً للتخلي عن الحق حين يكلف. والذهبي الفم لم يمدح صليبه، بل مجّد الله وهو تحته. ونحن لا نُسأل أن نختار الألم، بل أن نبقى أمناء حين يأتي، وأن نجد فيه رفقة المسيح لا غيابه.
العطاء مما يفيض سهل، والعطاء مما نحتاجه أمر آخر. والإنجيل لا يطلب حساباً دقيقاً، بل يداً لا تنقبض. وفي الرعية يظهر هذا سريعاً: من يستقبل، ومن يساعد، ومن يعطي بلا أن يعرف أحد.
الأم التي تعطي أولادها إيماناً لا تحياه تعطيهم قليلاً. وصوفيا غذت بناتها بما تؤمن به، فثبتن. وما نورثه فعلاً ليس كلامنا على المائدة، بل ما يرانا أولادنا نتمسك به حين يصعب الأمر.
الاعتراف بالإيمان بعيداً عن الأهل أسهل من الاعتراف أمامهم. وكثيرون منا يتكلمون عن الكنيسة في الخارج ويصمتون في البيت، أو العكس. والاعتراف الذي يقصده الإنجيل هو ما يكلف ثمناً حيث نعيش.
خشبة الصليب لا تحتاج إلى موكب ملكي. فما كان متواضعاً لا يُحمل بالأبهة، وما خلّص العالم لا يُنقل كالغنيمة. وأمام الصليب لا تنفع الألقاب: إما أن نتقدم مجرّدين، وإما أن لا نتقدم.
الكنيسة لا تقدس بحجارتها، بل بما يتم فيها. والمسيح دعا جسده هيكلاً، وهذا الهيكل هو ما ندخله كل أحد. والاعتناء بكنيستنا حسن، والمجيء إليها بما يكفي لتكون لها فائدة أحسن.